سميح دغيم
561
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
المؤثّر ، لزم احتياج كل ممكن إلى المرجّح . وعلى هذا ، يكون رجحان الفاعليّة على التاركيّة ، لا بدّ وأن يكون معلّلا بعلّة موجبة . وحينئذ يلزم الجبر . وأمّا إن كان الإمكان غير محوج إلى المرجّح ، فعند ذلك لا خفاء أن يستدلّ بالإمكان على المؤثّر . وحينئذ يلزم نفي الصانع بالكليّة . سواء كان موجبا أو مختارا . فثبت أن القول الحق : إمّا القول باحتياج جميع الممكنات إلى المؤثّر ، وحينئذ يلزم الجبر . أو القول باستغناء جميع الممكنات عن المؤثّر ، وحينئذ يلزم نفي المؤثّرات أصلا . فأما القول بأنّ الإمكان محوج إلى المؤثّر في موضع دون موضع ، كما هو قول المعتزلة : فهو قول متناقض باطل . فثبت : أنّه إن لزم على القول بالجبر : إثبات أنّ مؤثّر العالم موجب بالذات ، لا فاعل بالاختيار ، لزم على القول بالقدر أن يكون رجحان وجود العالم على عدمه لا لمؤثّر أصلا - والأول - وإن كان قبيحا - فلا شكّ أن هذا الأخير أقبح منه ، وأفحش بكثير . ( مطل 9 ، 15 ، 21 ) - لا نسلّم أنّ المراد بالقدر : الخلق ، بل لفظ القدر ، قد يستعمل أيضا في الكتابة . قال الشاعر : واعلم : بأنّ ذا الجلال قد قدّر في الصحف الأولى ، التي كان سطّر ويستعمل أيضا في الحكم . قال تعالى : إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ ( النمل : 57 ) وفي آية أخرى : قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ( الحجر : 60 ) أي حكمنا بذلك ، فلم قلتم : إنّه ليس المراد من القدر المذكور في هذا الخبر ، هو الكتابة ؟ فإنّه تعالى كتب جميع الكائنات في اللوح المحفوظ ، أو نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد منه : الحكم أو العلم . فإنّه تعالى عالم بجميع الجزئيات على التفصيل التام ؟ والدليل على صحة هذا التأويل : ما روى أبو هريرة أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « سبق علم اللّه في خلقه ، قبل أن خلقهم . فهم صائرون إلى ما علم اللّه منهم » فكان هذا الخبر ، كالمفسّر لجميع الأخبار الواردة في باب القدر . ( مطل 9 ، 219 ، 17 ) - أمّا حمل القدر على الكتابة في اللوح المحفوظ . فجوابه من وجهين : الأول : إنّ هذا باطل . لأنّ المسلمين أجمعوا على أنّ العلم بوجود اللوح المحفوظ ، وبأنّ اللّه تعالى أحدث فيه رقوما مخصوصة دالّة على أحوال هذا العالم ، ليس من شرائط الإيمان ، ولا من واجباته . والخبر الذي ذكرناه يدلّ على أنّ الإيمان بالقدر من شرائط صحة الإيمان . وهذا ينتج من الشكل الثاني : أنّه ليس المراد من القدر المذكور في هذا الخبر هو الكتابة في اللوح المحفوظ . وأمّا حمل القدر على العلم واللسان ، فباطل أيضا . لأنّ ذلك البيان ، إمّا أن يكون بيانا للبشر ، وهو مفقود . أو للملائكة ، وهو أيضا باطل . لأنّ العلم بأنّ اللّه بيّن أحوال أفعال العباد للملائكة ليس من واجبات الإيمان . وإيمان بالقدر من واجبات الإيمان بحكم دلالة هذا الخبر . وذلك يدلّ على أنّه ليس المراد من هذا القدر هو البيان . وأمّا حمل القدر على العلم ، فضعيف . لأنّه إن حمل على أيّ علم كان ، فهو باطل . بدليل : أنّ من علم ذات اللّه وصفاته . لا يقال : إنّه قدّر ذات اللّه وصفاته ، وإن حمل على العلم المقتضي إيقاع